صديق الحسيني القنوجي البخاري

333

فتح البيان في مقاصد القرآن

الافتضاح إذا ردت الأيمان على قرابة الميت فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك سببا لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة . وقال أبو السعود : معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام كأنه قيل ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة أو يخافوا الافتضاح برد اليمين ، فأي الخوفين وقع حصل المقصود الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أحكامه وأن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة وَاسْمَعُوا سمع قبول وإجابة أو المواعظ والزواجر وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن طاعته بأي ذنب ومنه الكذب في اليمين أو في الشهادة ، وهذا تهديد وتخويف لمن خالف حكم اللّه وخان أمانته أو حلف يمينا كاذبة . قال الخازن : وهذه الآية الكريمة من أصعب ما في القرآن من الآيات نظما وإعرابا وحكما انتهى وقد سهلنا هذا الصعب بتيسيره سبحانه وتعالى . وحاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز أن من حضرته علامات الموت أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين ، فإن لم يجد شهودا مسلمين وكان في سفر ووجد كفارا جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته ، فإن ارتاب بهما ورثة الموصي حلفا باللّه على أنهما شهدا بالحق وما كتما من الشهادة شيئا ولا خانا مما ترك الميت شيئا ، فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه في خلل في الشهادة أو ظهور شيء من تركة الميت وزعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه حلف رجلان من الورثة وعمل بذلك . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 109 ] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 109 ) يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ أي اسمعوا أو اذكروا أو احذروا قال الزجاج : هي متصلة بما قبلها أي اتقوا اللّه يوم يجمع وهو يوم القيامة ، وقيل يوم يجمع اللّه الرسل يكون من الأحوال كذا وكذا ، وهذا شروع في بيان ما جرى بينه تعالى وبين الرسل على وجه الإجمال . فيقول لهم : ما ذا أُجِبْتُمْ أي أيّ إجابة إجابتكم بها الأمم الذين بعثكم اللّه إليهم أو أي جواب أجابوكم به وما الذي ردّ عليكم قومكم حين دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي ، وتوجيه السؤال إلى الرسل لقصد توبيخ قومهم وأممهم . قالُوا ذكر صيغة الماضي للدلالة على التحقيق والمعنى أجابوا بقولهم : لا عِلْمَ لَنا مع إنهم عالمون بما أجابوا به عليهم وهذا تفويض منهم وإظهار للعجز وعدم القدرة ورد للأمر إلى علمه ولا سيما مع علمهم بأن السؤال سؤال توبيخ فإن تفويض الجواب إلى اللّه أبلغ في حصول ذلك .